تفسير قوله تعالى ” ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل “

تفسير قوله تعالى ” ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل “

جوجل بلس

محتويات

    تفسير قوله تعالى ” ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل “

    [ ص: 96 ] ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ( 27 ) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون ( 28 ) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ( 29 ) إنك ميت وإنهم ميتون ( 30 ) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ( 31 ) ) .

    يقول تعالى : ( ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي : بينا للناس فيه بضرب الأمثال ، ( لعلهم يتذكرون ) ، فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان ، كما قال تعالى : ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم ) [ الروم : 28 ] أي : تعلمونه من أنفسكم ، وقال : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] .

    وقوله : ( قرءانا عربيا غير ذي عوج ) أي : هو قرآن بلسان عربي مبين ، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس ، بل هو بيان ووضوح وبرهان ، وإنما جعله الله [ عز وجل ] كذلك ، وأنزله بذلك ( لعلهم يتقون ) أي : يحذرون ما فيه من الوعيد ، ويعملون بما فيه من الوعد .

    ثم قال : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ) أي : يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم ، ( ورجلا سلما لرجل ) أي : خالصا لرجل ، لا يملكه أحد غيره ، ( هل يستويان مثلا ) أي : لا يستوي هذا وهذا . كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله ، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له . فأين هذا من هذا ؟

    قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص ، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا ، قال : ( الحمد لله ) أي : على إقامة الحجة عليهم ، ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أي : فلهذا يشركون بالله .

    وقوله : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق [ رضي الله عنه ] عند موت الرسول – صلى الله عليه وسلم – حتى تحقق الناس موته ، مع قوله : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) [ آل عمران : 144 ] .

    ومعنى هذه الآية : ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة ، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله – عز وجل – فيفصل بينكم ، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم ، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين ، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين .

    ثم إن هذه الآية – وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين ، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة – فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا ، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة .

    قال ابن أبي حاتم ، رحمه الله : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن محمد بن عمرو ، عن ابن حاطب – يعني يحيى بن عبد الرحمن – عن ابن الزبير ، عن الزبير قال : لما نزلت : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال الزبير : يا رسول الله ، أتكرر علينا الخصومة ؟ قال : ” نعم ” . قال : إن الأمر إذا لشديد .

    وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان ، وعنده زيادة : ولما نزلت : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) [ ص: 97 ] [ التكاثر : 8 ] قال الزبير : أي رسول الله ، أي نعيم نسأل عنه ؟ وإنما – يعني : هما الأسودان : التمر والماء – قال : ” أما إن ذلك سيكون ” .

    وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه ، من حديث سفيان ، به . وقال الترمذي : حسن .

    وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا ابن نمير حدثنا محمد – يعني ابن عمرو – عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن عبد الله بن الزبير ، عن الزبير بن العوام قال : لما نزلت هذه السورة على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال الزبير : أي رسول الله ، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال : ” نعم ليكررن عليكم ، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ” . قال الزبير : والله إن الأمر لشديد .

    ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال : حسن صحيح .

    وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن أبي عشانة ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” أول الخصمين يوم القيامة جاران ” . تفرد به أحمد .

    وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” والذي نفسي بيده ، إنه ليختصم ، حتى الشاتان فيما انتطحتا ” تفرد به أحمد .

    وفي المسند عن أبي ذر ، رضي الله عنه [ أنه ] قال : رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شاتين ينتطحان ، فقال : ” أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر ؟ ” قلت : لا . قال : ” لكن الله يدري وسيحكم بينهما ” .

    وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا سهل بن بحر ، حدثنا حيان بن أغلب ، حدثنا أبي ، حدثنا ثابت عن أنس [ رضي الله عنه ] ، قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” يجاء بالإمام الخائن يوم القيامة ، فتخاصمه الرعية فيفلجون عليه ، فيقال له : سد ركنا من أركان جهنم ” .

    ثم قال : الأغلب بن تميم ليس بالحافظ .

    [ ص: 98 ]

    وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) يقول : يخاصم الصادق الكاذب ، والمظلوم الظالم ، والمهدي الضال ، والضعيف المستكبر . .

    وقد روى ابن منده في كتاب ” الروح ” ، عن ابن عباس أنه قال : يختصم الناس يوم القيامة ، حتى تختصم الروح مع الجسد ، فتقول الروح للجسد : أنت فعلت . ويقول الجسد للروح : أنت أمرت ، وأنت سولت . فيبعث الله ملكا يفصل بينهما ، فيقول [ لهما ] إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير ، دخلا بستانا ، فقال المقعد للضرير : إني أرى هاهنا ثمارا ، ولكن لا أصل إليها . فقال له الضرير : اركبني فتناولها ، فركبه فتناولها ، فأيهما المعتدي ؟ فيقولان : كلاهما . فيقول لهما الملك . فإنكما قد حكمتما على أنفسكما . يعني : أن الجسد للروح كالمطية ، وهو راكبه .

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة ، حدثنا ضرار ، حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة ، حدثنا القمي – يعني يعقوب بن عبد الله – عن جعفر بن المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر [ رضي الله عنهما ] قال : نزلت هذه الآية ، وما نعلم في أي شيء نزلت : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) [ قال ] قلنا : من نخاصم ؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة ، فمن نخاصم ؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر : هذا الذي وعدنا ربنا – عز وجل – نختصم فيه .

    ورواه النسائي عن محمد بن عامر ، عن منصور بن سلمة ، به .

    وقال أبو العالية [ في قوله ] ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال : يعني أهل القبلة .

    وقال ابن زيد : يعني أهل الإسلام وأهل الكفر .

    وقد قدمنا أن الصحيح العموم ، والله أعلم .

    مواضيع ذات صلة لـ تفسير قوله تعالى ” ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل “: