تاريخ بلغراد في زمن الحكم العثماني

تاريخ بلغراد في زمن الحكم العثماني

جوجل بلس

محتويات

    بلغراد

    بلغراد واحدةٌ من أكبر الحواضر الإسلامية في البلقان في العهد العثماني، والمدينة التي تُمثِّل «بوابة الشرق» في وجدان وشعور الرحالة الأوروپيين في ذلك العصر، سيطر عليها العثمانيون بقيادة السلطان «سُليمان القانوني» عام 1521 واستمرت تحت الحكم العثماني حتى عام 1876 باستثناء فترات متقطعة كان للنمساويين الحكم فيها. حازت بلغراد على اهتمام كبير كحِصْن حدودي وقت انضمامها إلى الأراضي العثمانية، وبمرور أول قرن من الحكم العثماني تحولت بلغراد من حصن حدودي إلى واحدة من أكبر مدن البلقان حيث مثَّلت بسبب موقعها مركزًا عسكريًا وغذائيًا كبيرًا للجزء الأوروبي من الدولة، وحسب وصف المؤرخ الصربي المعاصر «دوشان بوبوڤيتش» فإن بلغراد أصبحت تشبه «دمشق» أو غيرها من مدن الشرق بسكانها، ومنشآتها، وثقافتها، وتقاليدها. يركز المقال على الحركة العمرانية والحالة العلمية والثقافية للمدينة تحت الحكم العثماني في فترته الأولى التي تمتد من عام 1521 حتى عام 1688، وهي الفترة الذهبية التي شهدت فيها المدينة تطورًا علميًا وثقافيًا لا نظير له مقارنة بفترات الحكم العثماني الأخرى. عمران بلغراد العثمانية عُرفت بلغراد بكونها مدينة مفتوحة للأعراق والأديان من مختلف المناطق والأقطار، وقد تشكّل غالبية المسلمين فيها من سُلاف الجنوب بالإضافة إلى الألبان مع وجود أقلية تركية صغيرة، وكان يُقدر عدد سكان بلغراد في النصف الثاني من القرن السادس عشر بـ 10 آلاف نسمة، لنجد أن هذا الرقم قد ارتفع في النصف الثاني من القرن السابع عشر ليصل إلى 98 ألف نسمة كمجموع كلي بينهم 21 ألف من غير المسلمين وقت زيارة الرحالة العثماني «أوليا چلبي». ساهمت الأوقاف الكبيرة التي أوقفها الولاة ورجال الدولة العثمانيين في تنمية المدينة عمرانيًا وعلميًا طوال الفترة العثمانية الأولى، نذكر منها وقف الصدر الأعظم «پيري محمد پاشا» في بدايات الحكم العثماني، ووقف «يحيى أوغلو محمد پاشا» [1540-1548] ووقف «بايرام بك» [1557-1568]، ووقف الصدر الأعظم «صوقللو محمد پاشا» [في بدايات 1570]، ووقف «بودا محمد پاشا» [1632-1643]، ووقف الصدر الأعظم «كوپرولو زاده فاضل أحمد پاشا» [1661-1676]. ولإلقاء لمحة عن كبر حجم المدينة وشكلها في القرن السابع عشر، فإننا نعتمد على ما شاهده الرحالة العثماني «أوليا چلبي» عندما زار المدينة عام 1660، فقد وجد 217 مسجدًا وجامعًا، [مع تحفظ بعض الباحثين المعاصرين على كبر الرقم وأنه لم يتجاوز 70 أو 80]، وعاين جلبي 160 قصرًا، 6 كروانسراي [نُزل للمسافرين والقوافل]، «بيزستان» [سوق مغطى للبضائع والأقمشة]، 600 سبيل، 21 خانًا، 17 تكية، دار لضرب النقود، بالإضافة إلى كنائس ومؤسسات ثقافية للمسيحيين والأقلية اليهودية. العلماء والشعراء في بلغراد كانت المدرسة التي أسّسها الوالي «يحيى أوغلو محمد پاشا»، والمدرسة التي أسسها الوالي «بيرام بك» في منتصف القرن السادس عشر من أهم المؤسسات التي ساهمت في الحياة التعليمية في بلغراد العثمانية، وكانت تمد المدينة بالمتعلمين والمفتين. وقد انتشرت المدارس والكتاتيب ودور القُراء بجانب المساجد والجوامع في المدينة كمؤسسات تعليمية يقوم التعليم فيها على العلوم الأدبية والدينية واللغوية، كانت تؤهل المتخرِّج منها إلى استكمال دراساته العليا في مراكز الدولة العلمية الكبيرة، [القاهرة، إسطنبول، دمشق، الزيتونة، وغيرهم]، ويذكر «أوليا چلبي» في زيارته عام 1660 أن عدد كتاتيب المدينة كانت 270 كُتَّابًا كما أن بها 8 مدارس لتدريس المواد العامة، و 9 معاهد متخصِّصة في علم الحديث. وبالنظر إلى الحياة الثقافية والعلمية في المدينة نجد أن المدينة مثَّلت مركزًا مهمًا من مراكز الثقافة الإسلامية في البلقان؛ لانتشار المدارس والمكتبات والتأليف بلغات الحضارة الإسلامية الثلاثة العربية والفارسية والتركية العثمانية، ونتيجة لهذه البيئة العلمية في المدينة ظهر لنا في كتب التراجم أسماء لعلماء وشعراء ومؤلِّفين بُلغراديين حازوا على شهرة واسعة على مستوى أقطار الدولة العثمانية، وساهموا بدأب في رسم ملامح الحركة العلمية للدولة في أقطارها المختلفة. ولقد تنوعت اهتماماتهم بين العلوم الشرعية والأدبية والتاريخية والجغرافية والتصوف، ويأتي على رأس هؤلاء المؤرخ «مصطفى بن أحمد البُلغرادي» دفتردار [المسئول عن الشؤون المالية] ولاية طمشوار (Temşvar / جزء من أراضي رومانيا وصربيا والمجر حاليًا) الذي قام بكتابة ذيل لكتاب المؤرخ ورجل الدولة الكبير «بچوي إبراهيم أفندي» المعروف باسم «تاريخ بچوي» [وقد صدرت ترجمته العربية في مجلدين] أكمل فيه تغطية الأحداث بين العامين 1636 و 1651. أما الجغرافيا فلدينا الجغرافي «عثمان بن عبد المنان البُلغرادي» [ت 1779م] الذي قام بترجمة كتاب الجغرافيا العامة للجغرافي الألماني «برنارد ڤارينيوس» إلى التركية العثمانية مع وضع تعليقات وشروحات مفيدة، وهو كتاب مهم اعتمد مؤلفه على آراء كوبرنيكوس في مركزية الشمس ودوران الأرض. ويجب أن نذكر في معرض الحديث عن علم الجغرافيا أن الجغرافي والمؤرخ وراسم المنمنمات والخطاط الكبير «نصوح السلاحي» [ت 1564] قد عاش فترة كبيرة من حياته في بلغراد. أما الشعر والشعراء فقد اشتُهرت بهم المدينة في القرن السادس عشر والسابع عشر وظَهر منهم كثير من الأسماء الكبيرة. فمن شعراء القرن السادس عشر «نوري»، و«والي»، و«صادق البُلغرادي» الذي ترجم المستشرق والمؤرخ النمساوي «ڤون هامر» بعض أشعاره إلى اللغة الألمانية، ولدينا الشاعر القاضي المعروف بـ «ابن محتسب البلغرادي» [توفي بعد عام 1560] والذي قام بترجمة كتاب التراجم الشهير: «الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية» من العربية للتركية العثمانية، كذلك له مؤلف بعنوان «عشق نامه» في الأدب، ونَظم بعنوان «سليمان نامه». أما القاضي «حسين پاشا البلغرادي» المعروف بپاشا زاده المولود في بلغراد عام 1551 والمتوفى في القاهرة عام 1614 فنجد له ترجمة في كتاب «المحبّي» الشهير «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» واصفًا إياه بـ «واحد الدهر على الإطلاق … ورأس الفضلاء في وقته»، وقد عُين قاضيًا في «المدينة المنورة» وأقام في «القاهرة» ببيت بمنطقة «بركة الفيل»، وقد أورد له المحبي في كتابه الآخر «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» نماذج من قصائده. أما شعراء القرن السابع عشر فنجد الشاعر الصوفي المولوي الكبير «حَبيبي» [ت ما بين 1640-1643] المولود في البوسنة، وقد درس في إسطنبول وقضى معظم حياته في بلغراد، وقد كتب عملان أدبيان الأول ديوان شعري والآخر اسماه «المثنوي الصغير» كان يُدِّرس منه لطلبة الصوفية المولوية. ولا يفوتنا أن نذكر الشاعر الغنائي «أميري البلغرادي»، والشاعر «نجمي البلغرادي» الذي اشتهر بملحمته الشعرية «الشاه والشحاذ». وإذا تجاوزنا أسماء الشعراء يظهر إلينا أسماء العديد من العلماء الكبار مثل «منيري البلغرادي» [ت 1620-1625] الذي أثَّر في الحياة العلمية والثقافية للمسلمين في بلغراد والمناطق المحيطة بها في الحقبة العثمانية الأولى، فقد وُلد لأسرة من أصل بوسنوي وعمل واعظًا ومدرسًا ومفتيًا، وصار عالمًا يُشار إليه بالبنان، وكان يترأس الطريقة الصوفية الخلوتية، وقد ترك مؤلفات بالتركية العثمانية والعربية. ذاع صيت منيري البلغرادي بسبب تنوع الفروع العلمية التي صنف فيها، فوصل إلينا من مؤلفاته مثل: «سلسلة المقربين ومناقب المتقين» أو مناقب نامه في التراجم، وهو ترجمة لـ 121 شيخًا من مشايخ الصوفية، وهذا الكتاب يمثل مصدرًا مهمًا لمعرفة الآخيات الصوفية في الأناضول والبلقان من القرن السادس عشر وحتى أوائل السابع عشر في عهد السلطان أحمد الأول 1617، وله أيضًا «نصاب الانتساب وأدب الاكتساب» الذي يتناول فيه النقابات التي كانت تنتشر في مدن البلقان العثمانية، والتي كانت تلعبُ دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى نظم في آفات القهوة والخمر والأفيون والدخان، ورسالة في تحريم السماع والرقص الصوفي، وكتاب في الجغرافيا بعنوان «سبعيات»، ويشمل الحديث عن معارف جغرافية وعلوم الكون استنادًا إلى الكلاسيكيات الجغرافية مقسّمة إلى 7 أجزاء، كما وضع تعليقات على كتاب تاريخي لشيخه «علاء الدين علي دده السكتواري البوسنوي» المعروف باسم «محاضرات الأوائل ومسامرات الأواخر»، وهو نوع من كتب التواريخ العالمية التي تبدأ مع نزول سيدنا آدم، بالإضافة إلى مجموعة من الرسائل العقدية والأدبية والصوفية، وقد بلغ مجموع أعماله 16 كتابًا ورسالة. تدمير بلغراد العثمانية تعرّضت المدينة لتدمير مُمنهج لكل ما هو إسلامي فيها، وذلك على يد الحكم النمساوي الذي سيطر عليها لثلاث فترات متباينة: الفترة الأولى من 1688 حتى 1690، والثانية من 1717 حتى 1739، والثالثة من 1789 حتى 1791، وفي هذه الفترات تمّت إبادة السكان المسلمين وتحويل المساجد إلى كنائس أو تدميرها، كما تم تحويل الحمَّامات إلى مخازن للبارود؛ مما جعل أحد الرحالة ويُدعى «دريش» يقول عند زيارته المدينة عام 1719: «من شاهد بلغراد في عهد الأتراك وعاد لمشاهدتها اليوم لا يُمكن أن يقول أبدًا أن هذه المدينة هي بلغراد السابقة». ومثلما فقدت بلغراد عمارتها الإسلامية وشكل المدينة الشرقي، نجد أيضًا أن تراثها العلمي قد تم تدميره بصورة ممنهجة في الحروب التي وقعت بين الدولة العثمانية والنمسا، في محاولة كل طرف الاستحواذ على المدينة، ورُغم ذلك يتواجد حتى الآن في مكتبة جامعة بلغراد ما يقرب من 633 مخطوطًا أغلبها بالعربية، وبعضها بالعثمانية والفارسية، في فروع مختلفة من الفقه والتاريخ والأدب والفلسفة وغيرها، كُتب أغلبها ونُسخ في بلغراد والمناطق القريبة منها في العهد العثماني.

    مواضيع ذات صلة لـ تاريخ بلغراد في زمن الحكم العثماني: